ابن أبي الحديد

85

شرح نهج البلاغة

ولا حركة جسم خارج الفلك الأقصى ، وليس ذلك إلا لاستحالة وجود الأجسام وحركتها ، إلا في الفضاء . ومنها إن البارئ - سبحانه - خلق في الفضاء الذي أوجده ماء جعله على متن الريح ، فاستقل عليها وثبت وصارت مكانا له ، ثم خلق فوق ذلك الماء ريحا أخرى سلطها عليه فموجته تمويجا شديدا حتى ارتفع ، فخلق منه السماوات . وهذا أيضا قد قاله قوم من الحكماء ، ومن جملتهم تاليس الإسكندراني ، وزعم أن الماء أصل كل ( 1 ) العناصر ، لأنه إذا انجمد صار أرضا ، وإذا لطف صار هواء ، والهواء يستحيل نارا ، لان النار صفوة الهواء . ويقال : إن في التوراة في أول السفر الأول كلاما يناسب هذا ، وهو أن الله تعالى خلق جوهرا ، فنظر إليه نظر الهيبة ، فذابت أجزاؤه فصارت ماء ، ثم ارتفع من ذلك الماء بخار كالدخان ، ( 2 فخلق منه السماوات ، وظهر على وجه ذلك الماء زبد 2 ) ، فخلق منه الأرض ، ثم أرساها بالجبال . ومنها : أن السماء الدنيا موج مكفوف ، بخلاف السماوات الفوقانية . وهذا أيضا قول قد ذهب إليه قوم ، واستدلوا عليه بما نشاهده ( 3 ) من حركة الكواكب المتحيرة وارتعادها في مرأى ( 4 ) العين واضطرابها . قالوا : لان المتحيرة متحركة في أفلاكها ، ونحن نشاهدها بالحس البصري ، وبيننا وبينها أجرام الأفلاك الشفافة ، ونشاهدها مرتعدة حسب ارتعاد الجسم السائر في الماء ، وما ذاك إلا لان السماء الدنيا ماء متموج ، فارتعاد الكواكب

--> ( 1 ) كلمة " كل " ساقطة من أ . ( 2 - 2 ) ساقط من أ . ( 3 ) ب : " شاهده " . ( 4 ) إ : " مرائي " .